مدحت جمعة -سامي جاد الله
انفجار قوي ومرعب، غبار كثيف حوّل المكان لظلام دامس… هذا آخر شيء تذكرته “أسماء” قبل أن يُغمى عليها وتُدفن تحت الأنقاض والرمال.
قصة الطالبة “أسماء بن جرمي” من الصف العاشر الأساسي بمدرسة المسمية برفح التي أُصيبت نتيجة العدوان الصهيوني على قطاع غزة 2014 هي واحدة من القصص الكثيرة التي عايشها الطلبة والأطفال، عدوان صهيوني غاشم استهدف البشر والحجر والشجر، عدوان تعمد قتل وإصابة الآلاف من الأطفال وذلك في انتهاك صارخ لكافة الأعراف والمواثيق الدولية.
“أسماء” تروي قصتها فتقول: طائرات استطلاع صهيونية أطلقت صاروخاً على الأرض الزراعية المقابلة لمنزلنا في منطقة موراج برفح، وبعد دقائق ألقت طائرة حربية صاروخاً كبيراً أمام باب منزلنا بشكل مباشر وكنا وقتها في البيت فحدث صوت عنيف وانهال البيت وأُغمي علي ولم أعلم ماذا حدث بعد ذلك.
والد أسماء يقول: انهار المنزل بفعل القصف العنيف ونجونا بأعجوبة، “أسماء” كانت بجوار الباب، لم نعثر عليها في البداية، لكننا عثرنا عليها لاحقاً تحت الأنقاض والرمال، لقد كانت مدفونة بشكل كامل، أخرجناها وعملنا لها التنفس الصناعي إلى أن وصل الاسعاف، لقد أصيبت بكسور في الظهر لكن الحمد الله هي بخير الأن.
أسماء التي ترقد في المستشفى تأمل أن تتعافى بسرعة لتعود إلى مدرستها وتتعلم وتتحدى الاحتلال الصهيوني.
مديرة مدرسة المسمية انشراح العطار تثني على أسماء وتؤكد أنها كانت مثالاً للطالبة الملتزمة والمتفوقة والحريصة على دراستها.
قصة أسماء ليست ببعيدة عن قصة الطالبة “هلا فرحات” التي فقدت شقيها الوحيد محمود، هلا كانت تتحدث وتبكي عن الحادثة داخل مدرستها برفح فتقول:” قصفوا منزلنا بصاروخ استطلاع وهربنا بسرعة للشارع، توقعنا أن تقوم الطائرات بتدميره بالكامل، لكن صرخت أمي فجأة:” أين محمود؟ إنه ليس معنا لعلنا نسيناه على السطح فهرع أبي إلى المنزل ليبحث عنه ووجده يسبح بدمائه، لقد استشهد رحمه الله.
مشهد “هلا” الذي أبكى من حولها لم يكن الوحيد فقد تكرر مع وردة حجازي من الصف السابع وهي تتحدث عن استشهاد شقيقها (محمد 18 عاما) وخالتها وابنها.
أما الطالبة هدى ماضي من الصف التاسع من مدرسة القدس الأساسية برفح والتي فقدت والدها فتقول وقد غرقت عيناها بالدموع:” إنها لم تفهم ما هو اليتم إلا عندما عايشته واقعاً، وفقدت والدها العزيز وانضمت مع قافلة آلاف الأيتام في قطاع غزة.
هدى تصر على الدراسة وتؤكد أن عمها وأهلها لم يتركوها، وأنها قوية بما يكفي لتنجح في دراستها وترسل رسالة لوالدها الشهيد.. انتصرنا على العدو وسننتصر على اليتم… سنواصل وننجح ونتفوق لنحرر وطننا..
ومن قصص الطلبة في العدوان ما حدث للطالبة رنا نعيم من الصف العاشر والذي دمّر الاحتلال منزلها بشكل كامل في بيت حانون وهجرت إلى رفح مع أهلها لتسقر عند الأقارب.
تقول رنا وهي تعيش مرارة اللجوء لأول مرة في حياتها:” أشعر بغربة شديدة رغم أنني التحقت بمدرسة القادسية، لكنني لم أستطع حتى اللحظة تكوين صداقات في المدرسة أو الجيران فوجداني وقلبي معلق في منطقتنا وبيتنا المدمر، وتضيف :” لقد زرنا بيتنا بعد الحرب ووجدناه كومة حجارة ..
الطالب عبد الحليم الكرد من مدرسة الدوحة الثانوية برفح له قصة مشابهة فقد تم تدمير منزله والآن يسكن مع عائلته في شقه للايجار، وهناك قصص مشابه للعديد من الطلبة الذين فقدوا بيوتهم ويعيشون عند الأقارب أو في شقق للإيجار.
خالد فضه نائب مدير عام الارشاد والتربية الخاصة قال:” الوزارة بذلت مختلف الجهود لبدء العام الدراسي وهذا بحد ذاته إنجاز مهم، ندرك جيداً الظروف النفسية والاجتماعية للطلبة وما عايشوه خلال العدوان، ولقد عملنا بشكل فعال مع الطلبة منذ أول يوم دراسي لتخليصهم من آثار الحرب وقد حققنا نتائج ايجابية.
ويضيف أبو فضة:” لقد وجدنا عدة حالات بحاجة لتدخل أعمق في المجال النفسي مثل الطلبة الجرحى أو الذين استشهدوا أقاربهم أو زملائهم أو هُدمت منازلهم، حيث ستستمر طواقم الارشاد في عمليات التدخل للتخفيف عن الطلبة واستعادة التوازن لديهم.
وهكذا فإن طلبة المدارس والأطفال استهدفوا خلال العدوان, قد يبكوا أو يتأثروا لكن البكاء بكاء فخر وشوق وحنين, لكنهم في النهاية نهضوا وعادوا لمقاعد الدراسة وهذا بحد ذاته انتصار على العدوان لأن لدى هؤلاء الطلبة وذويهم وشعبنا الفلسطيني العزم والإرادة على مواصلة العلم نحو التحرير والبناء.
