مدرسة حيفا بخانيونس ..عبق التاريخ الفلسطيني الساحر يفوح من فصولها وساحاتها (تقرير)

كتب سامي جاد الله

حجارة رخامية منحوتة بشكل يدوي مرصوصة وفق الطراز الهندسي المعماري الإسلامي، مبنى جميل من طابقين تنسدل من بين جنباته النباتات الوردية فواحة عطر الياسمين الممزوج بأريج الماضي والتراث الفلسطيني المُبهر.

إنها مدرسة حيفا الحكومية التاريخية في وسط مدينة خانيونس، من أقدم المدارس الفلسطينية تم الشروع في بنائها عام 1943 ، وبدأت العمل الفعلي أواخر عهد الانتداب البريطاني  على فلسطين عام 1946 .

يحمل مبنى المدرسة ميزة تاريخية ومعمارية فهو من المنشآت الأثرية القليلة والمعدودة في خانيونس، تم إحضار حجارته القدسية الأصلية من جبال القدس والخليل، ويمكن اعتباره ثاني مبنى أثري بعد قلعة برقوق الشهيرة.

سميت حيفا منذ تأسيسها نسبة إلى مدينة حيفا التاريخية  التي احتلت عام 1948 وذلك في مسعى لترسيخ حب الوطن ومدنه في نفوس الطلبة، والصبغة التاريخية والتراثية للمدرسة متعددة في الكثير من الزوايا والممرات وحتى أسماء الفصول تم تسميتها بمدن وقرى فلسطينية وهنا اللوحات والمنقوشات وسارية العلم والجدران  عميقة التعلق بالوطن..

في لحظات التأمل يستطيع الزائر أن يشتم رائحة المكان الساحر ويرى أثر الطلبة الذين تعاقبوا هنا في مداد الزمن ونهلوا من العلم رغم فترة الاحتلال الاسرائيلي الذي اقتحمت قواته المدرسة مراراً وتكراراً، ويستطيع  الزائر أيضاً أن يصغى لأصداء حكايات وحكايات تتردد في الفضاء وبين جدران الفصول مفادها أنه كان هنا أطفالاً ضحكوا ومرحوا و تعلموا ورسموا مستقبلهم.

ومن يتذكر مدرسة حيفا ممن درسوا بها لابد أن يهزه الحنين والشوق لزملائه و معلميه وإذا ما وصل فناء المدرسة لا بد وأن تقفز الدمعة من عينية، وتسيل دمعة حري على الأيام التعليمية الرائعة وتهب نسائم الذكريات الندية، وهذا ما تؤكد عليه السيدة هالة الأغا التي درست هنا قبل 40 عاماً فتقول:” ما أجمل مدرستي كل يوم أحن لها”

وبعد عشرات السنين من التأسيس لا تزال مدرسة حيفا شاخصة صامدة بمعالمها التراثية العريقة، ولا تزال منبعاً للعطاء تضج بالعلم والتعليم والدفاتر والأقلام ،  فيها  الآن مئات الطالبات يدرسن فترتين صباحية ومسائية، فيها نجاحات وإنجازات وتوظف التكنولوجيا والحداثة.

في مدرسة حيفا يتذكر الطلبة الوطن ومأساة الغربة والرحيل واقتلاع الفلسطيني من الأرض ويتذكرون حيفا المدينة الكنعانية العريقة والحضارية، كما يتذكرون الشاعر محمود درويش عندما سُجن من الاحتلال في حيفا وانفجرت دواوينه وقال:” سجل، أنا عربي، ورقم بطاقتي خمسون ألف” 

والزائر للمدرسة يرى الغبطة في مشاعر الطالبات وفخرهن بمدرستهن فتقول و الطالبة مريم عبد الغفور من الصف العاشر:” نشعر بالتاريخ الممزوج بحب الوطن وعاداته وتقاليده”.

وما أروع أن تجد في المدرسة معلمة كانت طالبة قبل أكثر من 30 عاماً، فالمعلمة سها الأزعر تعلمت في مدرسة حيفا في نهاية الثمانينات صفوف السابع والثامن  والتاسع والعاشر، واليوم تعود كمعلمة، تتحدث عن أجمل الأيام، وعندما تُدرّس طالباتها، يمتزج في  وجدانها قدسية المكان  تتذكر الماضي والتاريخ وتسعى الآن لنقل نفس الأحاسيس لطلبتها وتدفعهم إلى عشق العلم والتفاني من أجل المستقبل المشرق.

مديرة المدرسة في الفترة الصباحية ناريمان الأغا توضح  أن مدرسة حيفا تعني الاعتزاز بفلسطين ومدنها و العراقة والتاريخ، فهي بُنيت من حجارة القدس وهذا يعني لنا الشيء الكثير، نؤسس طالب المعرفة الجديد المتمسك بثوابته الوطنية وتاريخه الحضاري.

لن نتخلى عن الوطن فمدرسة حيفا تعني العودة، تعني الجد والاجتهاد و والتفوق نحو مستقبل وطننا فلسطين هذا هو شعار المدرسة التاريخية  المستمرة في التميز والعطاء….