غزة: من قصص العطاء.. معلم متقاعد وزوجته ينفقان أكثر من مليون دولار لصالح أعمال خيرية

حوار:هناء الجاروشة

انتصرا للحب بينهما ورضوا بقضاء الله فأرضاهما الله وبارك في مالهما وحبب إليهما عمل الخير ..

معلمان خرجّا أجيالاً هم قادة في المجتمع الفلسطيني، وشيدوا على طول السنين صروحاً للمجد تبقى تحكي قصتهم للأجيال، أبطالُ حكاية الحب والبذل والعطاء هما المعلم القدير علي محمد العالم معلم اللغة العربية، وزوجته المعلمة القديرة فايزة حسن عايش، عملا في سلك التعليم على مدار أربعين عاماً ،وبعد أن حرما معا ًمن نعمة الإنجاب عكفا على عمل الخير وبذل ما أعطاهما الله من ماله في سبيل مرضاته، فقررا معاً التبرع بكل ما جمعاه في حياتهما من المال والممتلكات والعقار، وبمبلغ يزيد عن مليون دولار وهباه لصالح أعمال خيرية نُفذت لتخدم أبناء قطاع غزة على مدار عشر سنوات بعد أن خرجا الى التقاعد.

تفاصيل الحكاية وسيرتها العطرة رواها العالم وزوجته في لقاء إذاعي خاص عبر إذاعة صوت التربية والتعليم في برنامج  “من غيرنا”..

استهل المعلم الجليل سيرته قائلاً: “ولدتُ في المسمية وهاجرنا منها عام 1948 إلى الفالوجة، ومن الفالوجة انتقلنا إلى قطاع غزة وعشنا في مخيم البريج، نشأتُ في أسرةٍ كبيرة ولي  سبعة من الأخوة، خمسة من الأولاد و اثنتين من البنات، كان الوضع الاقتصادي سيئاً فكنتُ عصامياً أبحث دوماً كيف لي أن أساعد أبي، فعملت معه في الأعمال الزراعية، حتى أنهيت دراستي الثانوية بتفوق وكنت من أوائل مدرسة خالد بن الوليد الثانوية للبنين، ثم من الله عليّ بالسفر إلى جمهورية مصر العربية وكنت أول طالب يلتحق بكلية الآداب في جامعة القاهرة قاصداً دراسة اللغة العربية عام 1962م.

وعن عمله كمعلم لمبحث اللغة العربية في مدارس وزارة التربية والتعليم العالي أردف حديثه قائلاَ :

” تعينت بعد التخرج من الجامعة مباشرة عام 1966م في مدرسة اليرموك النموذجية بمدينة غزة، وكان يَدرسُ فيها أبناء الحكام المصريين وأبناء التجار،فهي مدرسة متميزة ويشار لها بالبنان، وفي عام 1967م وبعد أن أصبحنا تحت سيطرة الاحتلال الاسرائيلي انتقلت إلى العمل في معهد المعلمين، وكان المعهد حينها يستقبل الطلبة من الصف الثالث الإعدادي لتعلميهم وتخريجهم معلمين بعد خمس سنوات ليحملوا لواء التعليم وأمانته”.

يتحدث العالم ولا زال يذكر كل تفاصيل هذه السنوات وذكرياتها الجميلة وعلاقاته الطيبة بزملائه المعلمين ومدراء المداس وكذلك بطلبته النجباء الذين أصبحوا قادة في المجتمع الغزي والدولي.

ويتابع : “انتقلت بخبرتي كمعلماً إلى مدرسة فلسطين الثانوية للبنين، ثم إلى مدرسة ابن سينا واسمها الآن مدرسة صلاح خلف الثانوية للبنين، ثم إلى مدرسة الكرمل الثانوية للبنين، حتى تقدمت للنظارة وعدت مديراً لمدرسة ابن سينا، وعملت مديراً حتى تقدمت في العام 1998م للتقاعد المبكر نظراً لظروفي الصحية .

ويتذكر المعلم أحداث وتفاصيل اثنين وثلاثين عاماً بذلها في سلك التعليم فيقول:

” وخلال هذه السنوات كلها كنت قريباً من الطلاب و أحب دائماً أن أزرع فيهم حب التعليم، و كنت أبذل جهداً كبيراً لإقناعهم بالاستمرار واستكمال تعليمهم، حتى أنني كنت أزورهم في بيوتهم لإقناع الأبناء وآبائهم بذلك، حرصاً على عدم تسربهم لأجل العمل في الداخل المحتل ليصبح الطالب عاملاً في إسرائيل أو ما تسمى إسرائيل، وقد كان العمل هناك متاحاً للجميع في ذلك الوقت “.

 واستطرد قائلاً : “حاولتُ مراراً وتكرار إقناعهم بأن التعليم يقهر اليهود المحتلين ،ولن نقهرهم إلا بالعلم واستطعنا حينها ضبط العملية التعليمية في المدرسة”.

وعن علاقته الاجتماعية وشعوره بالمسؤولية تجاه أبناءه الطلاب تحدث مبتسماً:

كنت أتودد لطلابي وأسعد بمساعدتهم وخصوصاً الفقراء منهم، أحاورهم وأستمع لهم وأصاحبهم، فأنا حُرمت من الأبناء وهم أبنائي وأريدهم جميعاً متعلمين، ولدي قناعة بأهمية بناء الانسان قبل البنيان، كنت ألاحظ الطالب العصامي عزيز النفس ولا أتركه” ويتابع على استحياء وقد عز عليه الحديث ..

“كنت خلال عملي كمعلم وكمدير أقدم ما أستطيع من مساعدة لكل من يطلبها ،وأكثر ما يسعدني أن أساهم في تعليم أبناء العائلة من أبناء الأخوة والأقارب وغيرهم، فقد تبنيت تعليم ما يزيد عن  خمسين طالب وطالبة في مراحل مختلفة (البكالوريس والماجستير والدكتوراه )،وعندي الآن من الأبناء أطباء وأساتذة جامعات وصيادلة ومهندسين ومعلمين وغيرهم ،هم جميعاً أبنائي وأسعد اليوم بلقائهم وأرفع رأسي عالياً وأفخر وأعتز جداً بهم”.

وفي حوارنا مع زوجته المعلمة القديرة الأستاذة فايزة عايش، استهلت الحوار وتحدثت عنه أولاً لا عنها بما يطيب لنا سماعه، قالت: زوجي لا يعكف إلا على الخير والعبادة والصيام والقيام وقراءة القرآن ويحرص على ختمه كل ثلاثة أيام مرة، وما جنيناه هو لله، ونقصد الله ورضاه في كل عمل، ونحتار معاً كيف ننفق هذا المال ويقبله الله منا صدقة جارية خالصة لوجهه.

وعن مسيرتها المهنية حدثتنا أنها عملت منذ عام 1962م معلمة للغة العربية ثم مديرة في عدد من مدارس الأونروا على مدار أربعين عاماً حافلة بالعطاء والاجتهاد، إلى أن أحيلت إلى التقاعد، درست في جامعة القاهرة انتساباً والتقت بزوجها وتزوجا عام 1968م، وتقول: ” قُدر لنا الحياة دون أطفال، صبرنا واحتسبنا وفوضتُ أمري إلى الله”.

وعن فكرة التبرع بالمال المدخر وتنفيذ المشاريع الخيرية حدثنا الدكتور ياسر العالم ابن شقيقه والمشرف على أعماله ومشاريعه قائلاً:

“كانت الخيارات كثيرة أمامهما للتمتع بهذا المال فعلى سبيل المثال .. بناء فيلا أو إنشاء عمارة سكنية فاخرة وتأجيرها و أفكار أخرى وأخرى ، لكن بعد أن تشاور عمي وزوجته معاً قررا التبرع بكل ما جمعاه من عملهما في التعليم والتجارة إلى مشاريع خيرية تخدم أبناء قطاع غزة، وكنتُ بحكم خبرتي مشرفاً على أعمالهما وقائماً على تنفيذها ،ويضيف: لم يكن عمي يتبرع بالمال لأي جهة بل ينفق بنفسه وكل التبرعات كانت عينية وتحت إشرافه وأنفقها كصدقة جارية خالصة لوجه الله”.

وتحدث المعلم الجليل خلال حواره عن الأعمال الخيرية التي بادر بتنفيذها مؤخرًا، إلى جانب ما قدمه للطلبة قائلاً :

 “بعد التشاور معا قررنا أن نستثمر عند الله، فتوجهت لإنفاق المال في عمل الخير وتبني إقامة المشاريع الخدماتية التي تفيد وتنفع أبناء قطاع غزة، وأول الخير كان إعادة بناء مسجد الرحمة في منطقة المغراقة بعد أن كان عبارة عن صفائح زينكو، تم إنشاؤه بواقع 3 طوابق من الباطون والخرسانة المسلحة، بنيته صدقة جارية لنفسي و من باب العدل بنيت لزوجتي مسجدا ً آخراً، حتى لا يقال بنى لنفسه مسجداً ولم يبنِ لها، لذا قمنا بإعادة بناء مسجد الرحمن كاملاً في مخيم البريج بعد قصفه خلال الحرب الأخيرة على غزة عام 2014م .

ويضيف العالم : ” كنت أتابع بنفسي أعمال البناء وأوكلت ابن أخي الدكتور ياسر العالم مشرفاً على أعمالي الخيرية كافة، وكنا نشرف على إنفاق المال بأنفسنا، ويتابع حديثه قائلاً : اتجهت بعد ذلك لعمل مشروع يخدم المسنين وكبار السن وتم حينها الاتفاق مع مستشفى الوفاء على إقامة المبنى على أرض أمتلكها، وبالفعل تم عمل التصاميم اللازمة لكن اتجه المسؤولين للبناء في مدينة الزهراء لعدم توفر منحة خارجية لاستكمال المشروع، وتغيرت وجهة الخير لعمل آخر فقمنا بشراء جهاز الأكسجين المضغوط وهو جهاز غير متوفر في قطاع غزة ولا في الضفة الغربية، ويلزم لعلاج العديد من الأمراض كالصرع والجلطات الدماغية وغيرها، قمنا باستيراده من بلده عام 2014 بمبلغ قيمته 320 ألف دولار، ثم تم تجهيز غرفة خالية من الأكسجين وبكامل المعدات بتكلفة 50 ألف دولار، وصل الجهاز لمستشفى الوفاء بمدينة الزهراء وجاري العمل على تشغيله، واجتهدنا لتوفير الخبراء والفنيين لتشغيله وجاري العمل على ذلك.

ويتابع العالم : الحمدلله، الله يبارك لي بالمال، وكنت أطلب من الله دوماً أن يضع البركة بالمال ولا أسأله كثرة المال وأقتنع دوماً ما نقص مال من صدقة.

وعن آخر المشروعات أخبرنا أنها كانت عبارة عن بناء عيادة طبية في منطقة الحساينة في النصيرات، وهي منطقة نائية وأهلها من الفقراء، ويقول : ” قمنا بترميم الطابق الأول من العيادة المتهالكة المقامة وبناء الطابق الثاني وتجهيزه بالطاقة الشمسية، والآن نعمل على  توريد الأجهزة والمعدات الطبية اللازمة وبانتظار تسلمها وافتتاح العيادات بعد أيام قليلة، وما توفيقنا إلا بالله”

واختتم حواره قائلاً: “ما قدمته هذا في محبة لله ولرضا الله، لأن الصدقة الجارية لابد أن تقدم بنفس راضية، وأنا قدمتها بنفس راضية وأنا أدعو الله، بل وأرجوه رجاءً أن يقبل هذا العمل ويرزقنا لنعطي أكثر خصوصاً بعد أن نفذ المال والآن أنا أعيش وزوجتي على راتب التقاعد فقط ، ونسأل الله القبول”.

هكذا ضرب المعلم العالِم نموذجاً رائعاً في العطاء وأقنعنا جميعاً بأن الإنسان يعطي ليحيا،  فالامتناع عن العطاء سبيل الفناء، وتبقى قصة الحب والوفاء درساً جميلاً من حياة العظماء.