الشهيد الموظف عبد الوهاب ..حكاية شجرة “أصلها بالأرض وفرعها بالسماء”

عبد الحافظ السميري-  مديرية خانيونس

حكاية الدم والشهادة مازالت تسجل في فصولها الكثير من قصص الشهداء الذين جعلوا من أجسادهم طريقاً يُعبدونها لنا لتبقى تلك الحكاية مستمرة.

صنعوا من أجسادهم جسراً نعبر منه إلى طريق التحرير، غيبتهم الشهادة عن أنظارنا ولكن مازالت مواقفهم وابتساماتهم حاضرة أمام أعيننا ولا يمكن لجسد زائل أن يمحوها أو يغيبها.

هي حكاية تروي لنا قصة الشهيد عبد السلام عبد الوهاب، الرجل الخلوق والإنسان الذي ‏سطر معنى الإنسانية في معاملاته, صاحب الابتسامة والخلق الرفيع، شخصية تعجز أناملنا عن ذكر ماهيتها.

ولد الشهيد عبد السلام عبد الوهاب بمخيم خان يونس للاجئين بقطاع غزة بتاريخ 15/11/1979م، كأنه يعلم أنه بعد تسع سنوات من ميلاده سيسجل التاريخ ذكرى إعلان استقلال فلسطين، ويا له من قدر عندما يجتمع تاريخ استشهاده أيضاً مع ذكرى النكبة السبعين 14/5/2018م.

عمر شجرتنا لم يتجاوز الأربعون عاماً ولكن الحكمة التي تمتلكها فاقت شجرة عمرها مائة عام، وما السبب في تلك الحكمة إلا بعد رحلة طويلة من الفقد، بدأ ذلك الفقد بفقد والده وبعد ذلك استشهاد أخيه أحمد بالعام 2002م واعتقال أخيه أيمن مما سبب فارق كبير في حياة شهيدنا، ومع كل هذا الفقد بقيت تلك الشجرة متجذرة في هذه الأرض لتعانق جذورها أصلها الأول تراب مدينة أسدود التي لم ينساها شهيدنا أبداً.

تركت شجرتنا بعد رحيلها أربعة أغصان تحيط بزهرة جميلة تبكي فقد والدها لأنه لم يكن والداً اعتيادياً بل كان صديقها ورفيق دربها وبئر أسرارها العميق.

شهيدنا الشجرة المعطاءة التي لم تبخل بعلمها ومالها على أحد، وأجمل الكلمات التي قيلت فيه (ينفق كأنه لا يخشى الفقر)، ترك شهيدنا الأثر الجميل في نفوس من عرفوه حتى وإن كانت فترة اللقاء قصيرة، وهذه الميزة يختص بها الله القليل من عباده.

ومن القصص المؤثرة في حياة شهيدنا أنه كان يتفقد أصحاب أصحابه من كثرة حبه ووفاءه لهم، وهنالك بعض المواقف التي كان يتميز بها أراد أن تكون بينه وبين خالقه ولن ننطرق إليها، أما بالنسبة لعلاقته بأهل بيته فقد سطّر بمعاملته المعنى الحقيقي للمعاملة الإسلامية، كان مثالاً للرجل الإنسان الذي يعرف معنى المرأة وقيمتها الحقيقية فكتب في أحد منشوراته عن ذلك (ولدتني امرأة وعلمتني امرأة وأحببت امرأة وتزوجت امرأة فكيف لا أحترم النساء)، ومهما بلغت فصاحتنا وقدرتنا على التعبير لن نعطي شهيدنا حقه في تلك الكلمات.

أما من الناحية المهنية فقد عمل الشهيد في مديرية التربية والتعليم خانيونس سطر من خلالها مثالاً يحتذى به في الانضباط والالتزام بالمواعيد.

ومن المواقف التي سجلت له أنه كان يقوم بالعمل بعد انتهاء وقت دوامه الرسمي وقد شهد الجميع بالمهنية العالية له، كان يخاف على العمل كأنه صاحب هذا العمل، وقبل سويعات من رحيله كأنه يودع أهل الأرض ويخبرهم أنه لن يعود إلا شهيداً فكتبت أنامله (إما حياة تسر الصديق وإما ممات يكيد العدا).

يرحلون لأنهم يعشقون الرحيل بصمت ومن دون مقدمات، يرحلون لأنهم يعلمون أن الحياة قصيرة وليست سوى بوابة للعبور إلى الدار الأخرة.